مدونة نور

هنا تساؤلات مدونة وأفكار ألهمتها التجارب أحاديث عن التقنية والأدب وأحيانًا مقالات مترجمة

A world of data

أخطر من النفط

نُشر بتاريخ: 11/20/2022

يُقال أن قيمة البيانات التي تحتفظ بها الشركات التقنية كميتا وقوقل تتجاوز أهميتها أهمية النفط، عبارة رنانة مناسبة لافتتاح كلامنا هذا. عندما نفاضل بين النفط الذي نعرف أهميته وتأثيره على العالم وبين بيانات شخصية يزخر بها الانترنت بفضل شبكات التواصل الاجتماعي. تبدو المفاضلة عبثية للوهلة الأولى، حتى يُطرح عليك سؤال: هل أنت تتخذ قراراتك بنفسك ؟ قد تجيب بالإيجاب بينما ينفي عنك أحباؤك هذا، فمحبك ينفي عنك أفعالك وقراراتك السيئة ويردها إلى بيئتك ومجتمعك. رغم أنك أنت الذي تفكر وتقتنع وأنت الذي تفعل بيدك.

شاهدت فيلمًا وثائقيًا يتحدث عن قضية شركة كامبردج اناليتكا وتأثيرها على قرارات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي السياسية. شركة كامبردج أناليتيكا لديها 5000 نقطة لمراقبتك وشراء بياناتك، من حساباتك في مواقع التواصل الاجتماعي، سفراتك وتنقلاتك، مصاريفك ومشترياتك، إلى نهاية القائمة :). هذه الشركة تعمل في تحليل مختلف البيانات لتوجه أصحابها نحو سلوك معين بناء على شخصيتهم التي استنتجتها من بياناتهم. مثلا في قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، اُتهمت هذه الشركة بإظهار محتوى يحرض على تأييد الانفصال، باستهداف أولئك الأشخاص الذين تقول شخصياتهم أنهم يسهل إقناعهم. وفي انتخابات ترامب الأولى اُستخدمت الطريقة نفسها، وفي الدول النامية بعيدًا عن العالم الغربي، كانت هذه الشركة تستلم مشاريع مفادها: “فوز الفريق الفلاني بالانتخابات”، فتحقق هذه الغاية بإقناع مؤيدي الفريق الآخر على ترك التصويت، بحملات موجهة لهم وإعلانات تسوقهم وتقنعهم. رغم أن الأمر عند تبسيطه لا يزيد عن كونه حملة إعلانية عن طريق محتوى موجه أو مخصص كالمحتوى المخصص الذي يظهر لك في تويتر أو سناب، لكن هذه المرة فالإعلانات ليست عن ساعة أو حقيبة تقنعك يشرائها فيتأثر وضعك المالي حتى يفرجها الله، ولا محتوى عن الحالة الاجتماعية لشخصية مشهورة، بل محتوى يهدف إلى التأثير بمستقبلك وأفكارك وتوجهاتك، فأنت تكره المسلمين لكثرة المحتوى الذي يروج للإسلامفوبيا، وتتعاطف مع قضية أخرى لمحتوى يدعمها ما فتئ يظهر لك ليل نهار، وفي أوقات أخرى تشارك في تشويه شخصية معينة على هاشتاق في تويتر منساقًا مع الجماعة، تقول في هذا الهاشتاق رأيك، رأيك الذي تظن ولا زلت بأنه رأيك أنت، لا رأي اتخذته بناء على محتوى موجه أو تلاعب بك.

يُقال أن هاتفك يعرفك أكثر منك، ولا أستغرب، فمن عدد خطواتي إلى استيقاظي إلى مواعيدي إلى الأماكن التي أزورها ومحادثاتي ومنشوراتي ومشترياتي وتفاعلاتي. أقضي على هاتفي ٤ ساعات يوميًا، وأتصفح الانترنت من حاسبي المحمول. أقضي وقتًا لا بأس به على كليهما وأكاد أجزم أن هاتفي يعلم ما لا يعلمه سواه عني. يمكن لبياناتي أن تُساعد في فهم شخصيتي، وأن أتلقى محتوى يجعلني بيدقًا في لعبة أكبر مني. لكن ألم يكن الأمر ليتم بدون بيانات ؟ بالتلفاز مثلا ؟ بمجتمعي الذي أعيش به ويملي علي من أحكامه الكثير ؟ أليست المشكلة أصلا “أننا ننساق”، لا أن هذه الإعلانات والمحتويات تحاول أن تسوقنا ؟

أُغلقت شركة كامبرج اناليتيكا، ولا تزال تشريعات تظهر بين الفينة والأخرى بشأن البيانات، أما أنا فأتمنى أن يزيد الوعي وينتهي الصراع، وأتسائل هل أمنيتي هذه طبع مني أم أنها تسربت إلي من كثرة التصفح ؟

لطيفة لغوية: كلمة خطر في أصلها تدل على العظم والأهمية، لكنها من تلك الكلمات التي يٌحصر معناها أحيانا في استخدامها، فالخطر هو الشيء المضر الذي يحيط بك ويهددك، وربما لأهمية وعيك به اكتسب معنى “الخطر” أو الأهمية، وفي عنوان المقال لا نعني أن النفط خطير بأنه سينفجر ونموت، بل بأنه مهم ويلعب دورًا أساسيًا في العالم، وكذلك هي شبكات التواصل الاجتماعي وبياناتك عليها، وجدير بمن عرف الخطر الحذر، بتوعية نفسه، ودراسة أفكاره، وعدم الانسياق خلف أي موجة.

شكرًا على القراءة!

جميع الحقوق محفوظة ©