إنه الخميس، نهاية الأسبوع الأول من العام 2024م أما إذا كان عامك يبدأ بالعام الهجري كعادة المكان الذي أعيش فيه، فلا يميز هذا الخميس إلا أن العام قد انتصف، وأن رمضان قد اقترب، وأن صفحات العام تُطوى وتُطوى.
بداية الأسبوع سمعت أحمد أبو زيد يتحدث عن التدوين اليومي وأثره على ترتيب الأفكار. كلامه مألوف صحيح، فإذا رأينا ابن حزم في كتابه المداواة الذي وجهه إلى نفسه أولا، وإذا نظرنا إلى صيد الخاطر وكاتبه يكون التدوين الشخصي شأنًا طبيعيًا، لكني أعتقد أن محتوى الكتابة التي يحث عليها أبو زيد -وغيره ممن يتحدث عن فعالية التدوين اليومي- والتي يمارسها الكتاب مختلفة قليلًا.
الكتابة فن، شأنها شأن الرسم والموسيقى، لها أصناف متعددة وألوان مختلفة وأذواق متباينة. الكلمات في دم الكاتب كالألحان في دم الموسيقي والألوان في عيني الرسام، وسمعتُ عن العقاد أو المنفلوطي أنه كان يطلب من الأطفال بعد كل رحلة عائلية كتابة مقال يصفها ويكافئهم، أتأمل فعل الأديب فأفهمه كما لو كان شقيقًا أو كما لو كنا نشأنا في مدينة واحدة.
هل رفعت عينيك ونظرت إلى السماء اليوم ؟ أكانت عارية من السحب ؟ أمشيت في الطرقات اليوم ؟ ما الذي قالته الأزهار أو بمَ نطقت الطيور ؟ إن الكتابة تبدأ بالخيال الذي يمنح الأشياء كلها الحياة، فالشارع يسأم، والإشارة تسخر، والسيارة تتثائب وتشكو البرد، والشمس قد أنهكها البكاء لما رأت أرضًا منكوبة فاستترت بالسحب، والسحب قد أوجعها البكاء فزمجرت رعدا.. إن هذه الخيالات يضحك منها أي تفسير عقلاني، لكننا نلبس مشاعرنا الصور علها تقرب من الأفهام، إن استتار الكاتب خلف الصور لا أعلم مثيلًا فنيًا له جهلًا مني، فالكاتب خلف الكلمة، والكلمة خلف الصورة. إننا نصور بهذا الأسلوب يومياتنا وأفكارنا، حتى أصبح التصوير لنا عادة، وأصبحت نظراتنا إلى الأشياء زاخرة بالأفكار.
يُقال أنه لتطوير أسلوبك في الكتابة عليك أن تُزامن فعلي القراءة والكتابة؛ مثلًا أن تقرأ عشرين صفحة وتكتب مقالة كل يوم. إذا فعلت هذا أصبحت لا شعوريًا تقتبس قاموس وأساليب من تقرأ له، وباستمرارك على هذه العادة تُصبح ذا أسلوب فريد. إلا أن مشكلة هذه الطريقة كما أزعم احتمالية تلوث أسلوبك بأصحاب الكتابة الركيكة ممن تقرأ لهم، لكننا كما نقول في مجالنا، تغلب المصادر الجيدة الكثيرة على الضعيفة إذا كانت قليلة.
ست سنوات كانت الفترة التي تبنيت فيها عادة الكتابة الهادفة لتحسين الأسلوب، وقد أبدعت كلماتي سحرا يجعل يقيني بصحة الطريقة خالصًا. الكتابة ليست مجرد وسيلة لترتيب الأفكار أو التنفيس، الكتابة فن صياغة الكلمات، والكلمات عند أشخاص في هذا العالم: الجمال، جمال تعجز الكلمات نفسها عن وصفه.
الشهر الماضي بدأت بكتابة مقال عن النصوص وتمثيلاتها، إلا أنه يحتاج إلى عمل يجعل من نشره الشهر القادم احتمالًا واردًا.. مما جعلني أكتب هذه المقالة سريعًا حتى لا يضايق المدونة الغبار :), هذا ودمتم في ود.
