مدونة نور

هنا تساؤلات مدونة وأفكار ألهمتها التجارب أحاديث عن التقنية والأدب وأحيانًا مقالات مترجمة

طريق العلم

نشر ورقة علمية: كيف للتجربة الأولى

نُشر بتاريخ: 4/20/2024

التجارب الأولى دائمًا فريدة. تتميز التجارب الأولى بكمية الغموض الكبيرة التي تتخلل كل شيء، حتى نقطة البداية أنت لا تعرفها، وعليك أن تبحث عن مكانها، ومن هنا أوقن أن الأشخاص الذين أتموا تجربتهم الأولى للتو، سيكون شرحهم وملاحظاتهم مفيدة لآخرين سيكونون مكانهم يومًا ما؛ لأن أصحاب الخبرة يغفلون بعض التفاصيل، وكثير من المفاهيم أضحت عندهم مسلمات، أما نحن من أتممنا التجربة الأولى للتو سنذكر التفاصيل الصغيرة، السخيفة ربما لأصحاب الخبرة. وفي هذا المقال نجيب سؤال: كيف أنشر بحث في مجلة علمية؟

الخطوة صفر: حدد هدفك من النشر

نشر الأبحاث بالأساس هدفه مشاركة المعرفة مع المهتمين بالمجال أيًا كان مكانهم وانتماؤهم، وفائدته كذلك أن يحفظ حقَّ جهدك وأسبقيتك، ولئلا يعيد أحدهم عملك فيضيع جهده؛ بل يبدأ من حيث انتهيت. إلا أننا في الواقع كما نقرأ في كثير من الأخبار أصبح نشر الأبحاث رغم كونه عملًا ساميًا أشبه بالسوق السوداء، وهذا لأن الترقيات في مجال العمل الأكاديمي تعتمد عليه، ومكانة الجامعة تتأثر بحجم انتاجها، وأمور أخرى ليست موضوعنا، فموضوعنا هو أن تحدد هدفك، هل هو حفظ جهدك ومشاركته مع الباحثين الآخرين، أم أنه مكافأة معينة. تحديد الوجهة يسهل الاتفاق على القرارات، هل تريد مجلة ذات معايير معينة، أم تريد مجلة تنشر بحثك بأسرع وقت حفظًا لأسبقيتك.

الخطوة واحد: اختر المجلة المناسبة لموضوع بحثك

لكل مجلة علمية مجالات تختص فيها، فمثلًا مجلة أمن المعلومات والتطبيقات (Journal of Information Security and Application) تختص في نشر الأبحاث المتعلقة بمجال أمن الحاسب، وسترفض ورقتك العلمية إن كانت في مجال مختلف، ليس لأن ورقتك سيئة، بل لأنها لا تتوافق مع توجه المجلة والمجال الذي تختص فيه. يمكنك معرفة المجالات التي تنشر فيها المجلة من اسمها طبعًا، وفي صفحة المجلة أو موقعها الرسمي ستجد هذه المجالات مكتوبة بوضوح في خانة المجال والأهداف (Aims and scope).

عند كتابتك للبحث ستقرأ أبحاثًا كثيرة متعلقة بموضوعك، وغالبًا ستجمع هذه الأبحاث في برنامج لترتيب المراجع مثل مندلي (Mendele)، ارجع إلى هذه الأبحاث وانظر إلى المجلات التي نُشرت فيها، فهي أبحاث في نفس موضوعك ونفس مجالك، وبالتالي بحثك سيكون متوائم مع المجلات التي نُشرت فيها. اعرف المجلات، سجل أسمائها في ملف خارجي، لترى لاحقًا هل هي تتفق مع أهدافك من النشر أو لا.

الطريقة السابقة مضمونة غالبًا، لكن ثمة أدوات يوفرها الناشرون مثل إلسيفير، ويلي، وسبرينكر، على مواقعهم تساعدك على إيجاد المجلة المناسبة لبحثك، بأن تدخل عنوان البحث أو ملخصه أو الكلمات المفتاحية، ثم تعرض لك الآداة المجلات التي قد تتوائم مع توجه بحثك عند هذا الناشر. تجد هذه الأدوات ببحثك عن (journal finder) بعد اسم الناشر، مثلًا: elsevier journal finder، springer journal finder، وهكذا.

الخطوة الثانية: افهم المعايير

الآن لدينا قائمة بأسماء مجلات مختلفة، فكيف نفاضل بينها وكيف نختار؟ هنا نأتي إلى المعايير، وتذكر بأن الجامعات تشترط على مكافأة الباحثين بعضًا من هذه المعايير، ففهمك ومعرفتك لها ضرورة

المعيار الأول: الوصول المفتوح (Open Access)

هل قرأت مرة ملخصًا وقلت في نفسك: "هذه الورقة مشابهة لموضوع بحثي!"، لكن لما أردت قراءة بقية محتواها إذ بالمجلة تطلب منك ثمنًا للقراءة، فتذهب إلى موقع يقرصن الأبحاث مثل (sci-hub) فلا تجدها عنده، وهنا تتنهد مفكرًا بخياراتك المتاحة التي أصبحت محصورة، كأن تطلب الورقة من مؤلفيها، أو من أحد عنده وصول مجاني لهذا الناشر، أو أن تحاول فهم الورقة من ملخصها فقط أو ممن لخصها غيرك، لكن ماذا لو كانت الورقة متاحة للجميع من البداية؟ وأنا هنا لا أقول أن على جميع الأبحاث أن تكون متاحة مجانًا، لكن أريدك أن تضع هذا المعيار في الاعتبار أثناء اختيارك للمجلة، فكون الوصول للمجلة محدودا للمشتركين قد يقلل عدد المستفيدين من بحثك.

المعيار الثاني: رسوم النشر

غالبًا تقدم المجلات خيار (الوصول المفتوح) بكلفة يدفعها الباحث، وقد تفرض المجلة رسومًا عمومًا، وهذه الرسوم تتراوح بين 500 إلى 2000 دولار. عادة تعوض الجامعات الباحث بعد دفعه هذه الرسوم إذا استوفت المجلة شروطًا معينة، لكن انتبه لهذه النقطة، وإن كان معك باحث آخر فهذه نقطة مهمة للمناقشة بلا شك.

المعيار الثالث: هل المجلة مفهرسة؟

الفهرسة أو قاعدة البيانات هي مؤسسات تمنح المجلة مزايا بعد أن تستوفي شروطًا معينة تضمن جودة هذه المجلة. أُشبِّه الأمر باعتماد (ABET) التي تحصل عليه الكليات الهندسية، فالكليات تسعى للحصول على هذا الاعتماد لتبرهن كفاءتها وجودتها، ولن تحصل عليه إلا إذا استوفت شروطًا معينة. الفارق هنا أن الفهارس كما يتضح من اسمها تُستخدم في البحث كذلك كقاعدة بيانات، مما يجعل لورقتك المنشورة في مجلة مفهرسة فرصًا أكثر للظهور. ومن هنا تشترط بعض الجامعات على الباحثين النشر في فهارس محددة، مثل سكوبس Scopus وشبكة العلوم Web of Science (WoS). وبالمناسبة، ففهرسة WoS هي نفسها فهرسة Institute for Scientific Information (ISI). تعرف فهرسة المجلة من خانة معلومات عن المجلة (Journal insights)، أو من الموقع الإلكتروني لسكوبس وشبكة العلوم.

المعيار الرابع: معامل التأثير

معامل التأثير يحسب معدل الاستشهادات لكل منشورات المجلة خلال سنة ثم يقسمه على عدد منشورات المجلة خلال سنتين. يقيس معامل التأثير أهمية المجلة في مجالها، فمثلًا إذا كان معامل التأثير لمجلة ما هو 10، ولمجلة أخرى هو 5، فهذا يُقدم المجلة الأولى على الثانية إذا كانوا في نفس المجال، ولتفهم هذا الرقم أكثر، في عام 2021م كانت مجلة Nature Machine Intelligence هي المجلة الأولى في مجال علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي بمعامل تأثير 25.898 انظر هذا المرجع لفهم معامل التأثير أكثر.

المعيار الخامس: ترتيب المجلة

تُرتب المجلات في مجال معين بحسب معامل تأثيرها في قائمة تُصدرها مؤسسة كلاريتفا سنويًا. كون المجلة التي تنوي تسليم بحثك لها موجودة في هذه القائمة ممتاز، لكن احرص على أن تنشر في المجلات التي تأتي في مقدمة الترتيب. تُقسم هذه القائمة إلى أرباع، وترمز هذه الأرباع كالتالي: Q1, Q2,Q3,Q4، وكما يوحي التقسيم، لو افترضنا أن عدد المجلات في القائمة مئة مجلة، فالربع الأول هي المجلات التي احتلت الرُتب الخمس وعشرين الأول، وهكذا بقية الأرباع. تستطيع معرفة ربع المجلة من خلال البحث باسمها في محرك البحث، وتذكر أن ترتيب المجلة عامل متغير.

الخطوة الثالثة: رتب المعلومات

ارسم جدولًا لمقارنة المجلات التي سجلت أسمائها وسجل المعايير التي تهمك من المعلومات التي جمعتها مثلًا استخدمتُ برنامج Excel:
صورة لبرنامج اكسل
لقطة شاشة لملف اكسل يرتب المعلومات

إذا كان أهم معيار عندك أن تكون المجلة في الربع الأول، استخدم خاصية الترتيب لهذا العمود، ثم ابدأ بتسليم بحثك للمجلات بالترتيب. تذكَّر، يُمنع أن تسلم البحث لمجلتين أو عدة مجلات في نفس الوقت. وبإذن الله لن تنتهي القائمة إلا وبحثك قد نُشر. عرفت هذه الطريقة من مقطع على يوتيوب وأعجبتني، لكني لم أجد المقطع لأضع رابطه.

الخطوة الرابعة: جهز أوراقك

ستجد أثناء تسليمك للبحث أوراق أخرى مطلوبة تختلف من مجلة إلى أخرى مثل إقرار المؤلفين (Author Agreement) وهذه الأوراق بسيطة إن شاء الله، ممكن تجرب تسليم بحث في المجلة لتعرف الأوراق المطلوبة، ثم تجهزها مع بقية المؤلفين، ثم تستأنف تسليم الورقة.

إلى هنا ينتهي المقال، تذكر أن السعي لأي هدف سيجهدك، ويشغل وقتك، السعي لأي هدف لا يكون بالراحة، ولو كانت المساعي سهلة لما استحقت السعي.

قبل عدة أشهر كتبت مسودة هذا المقال، كنت أعمل مع "الفريق" على نشر بحث تخرجنا من مرحلة البكالوريوس؛ ولأن الجامعة عودتنا أن نتعلم كل شيء ذاتيًا، فقد بدأت رحلتنا بسؤال رئيس دفعتنا السري، وبسؤال قوقل والبحث هنا وهناك، كانت رحلة طويلة استمرت أشهرًا قبل القبول المبدئي وأشهرًا بعده، ولستُ بخبرة تخولني الكتابة عن موضوع كهذا، لكن كما يقول جاسم الهارون: "بادر...يبدأ الحراك الريادي!". أرحب بأي تعقيب أو ملاحظة على بريدي الإلكتروني أو أي وسيلة تواصل أخرى، ولكم جزيل الشكر قراء المدونة.

شكرًا على القراءة!

جميع الحقوق محفوظة ©